الثلاثاء، 11 أبريل 2017

كيف تعتاد القسوة؟



منذ يومين ذهبت الى موقع التفجير الضخم بكنيسة مارجرجس في مدينة طنطا، حيث قتل واصيب العشرات، قمت بعملي في التغطية وسط أجواء من الغضب والحزن والتحفز. اليوم فقط انتبهت لما رأيته، انتبهت للدماء التي كنت احاول تفادي الخطو فوقها، انتبهت لرائحة الموت التي ملأت قاعة الصلاة، تذكرت ما شعرت به من اختناق داخل القاعة، ورغم أنني بقيت لساعات اسعى للدخول لأداء عملي، لم استطع أن اكمل خمس دقائق بالداخل.

فكرت كيف بدونا نحن القادمون من القاهرة الى هذه الكنيسة الكبيرة في الدلتا كمتطفلين نستجوب الحزانى والمكلومين ونصورهم، ننقل قصص خسارتهم ونجاتهم وصدمتهم للعالم، ولكننا لم نفدهم بشئ في الحقيقة. بم يفيد نشر الحقائق والمعلومات سيدة تجاوز الثمانين حضرت الى كنيستها بعد أن راح أحد أقاربها واصيب آخر باصابة بالغة، بم تفيد قصتي الصحفية التي نشرت لاحقا الشاب الصغير المصدوم الذي استمر في نقل اشلاء اصدقائه وابناء كنيسته طوال اليوم. لا شئ، لا شئ سيعيد من راح، ولا شئ سيشفي من خسر عينه أو ذراعه. في لحظات الفاجعة تلك اسأل نفسي كثيرا عن فائدة مهنتي التي اخترتها منذ سنوات، والتي تحولت في السنوات الأخيرة الى دفن الموتى، ضحايا الارهاب والعنصرية وضحايا الدولة القمعية العسكرية الفاشلة.

الآن أشعر بثقل ذلك اليوم الأسود عبرالألم في ظهري وعنقي، ليس ألما ناتجا عن جهد، بل ألم ناتج عن عشرات المشاعر والأفكار المتناقضة، ألم ناتج عما خزنه رأسي من صور وروائح عدة، خزنها حتى انهيت عملي بشكل آلي ، والآن كأنني استعدت ذاكرة فقدتها ليومين، الآن رائحة الموت لاتزل في أنفي، ولا أعلم كيف أتخلص منها، وكيف أتخلص من شعور بالذنب والتقصير لا استطع في الحقيقة وضع يدي على اسبابهما بالتحديد.

في الحقيقة لم أكن مضطرة ابدا للذهاب، لكنني انتهزت الفرصة لذلك، شعرت أن مكاني ليس في مكتبي بالقاهرة، بل يجب ان يكون هناك وسط الفاجعة، لم افكر في خطر أو في اي شئ سوى أنني علي أن ارى بنفسي ما حدث وأحاول توثيقه، ربما لنفسي ايضا، ربما لذاكرتي أنا وليس لذاكرة الصحافة أو الهجمات الإرهابية.

اثناء العمل يجب أن تكون متيقظا، مهنيا، ومراعيا بالطبع لمشاعر المكلومين، يجب أن تكون سريعا، فالصحافة غالبا ليس مرحب بها في تلك الأجواء، يجب أن تكتب قصتك سريعا لتجد طريقها وسط الأخبار المتوالية عن الحادث الارهابي حول العالم، في الحقيقة تلك جميعها أمورا جيدة، تشغلك قليلا عن الحدث وربما عن التعاطف، ولكن حين تنتهي المهمة تشعر أنك ربما لم تعتذر بشكل كاف، لم تظهر تعاطفا كافيا، لم تربت على كتف الحزانى بشكل قوي، ولكن في المقابل لو تركت نفسك للحظة للانخراط، لن تفعل شيئا، سيكون من حقك تماما أن تجلس على السلم الممتلئ بشظايا الانفجار وتبكي.

حين عدت الى القاهرة، تذكرت أنني لم أقرأ الفاتحة على أرواح الضحايا او افعل أي شئ للحداد هناك، غضبت جدا على نفسي، كيف نسيت أن افعل ذلك، كيف انشغلت تماما، أو ربما هربت تماما من مواجهة الأمر، هربت خلف هاتف محمول اسجل واصور به، وحين سمعت التسجيلات ورأيت الصور للمرة الثانية بعد عودتي، صدمت كأنني ارى واسمع للمرة الأولى، كأن شخص آخر هو الذي ذهب، كم هي مهنة قاسية، وبلد تعلم القسوة، وكل ما أخشاه، أن اعتاد القسوة.

الثلاثاء، 8 مارس 2016

عن الخوف لما يحركنا وعن الخوف لما مايحركناش..

اوحش حاجة في الدنيا الخوف، الخوف علي نفسك، علي حياتك، علي امانك، علي الناس اللي بتحبهم وعارف انه مش هاتقدر تحميهم، عالحاجات اللي حققتها وممكن تروح في اي لحظة.. انا بخاف، بخاف زي اي حد، ودلوقتي يمكن اكتر من اي حد، بفكر في عشرات السيناريوهات السيئة المحتملة لكل فعل عملته، بعمله، او هاعمله.. الموضوع مرهق جدا. والمرهق اكتر اني بقرر دايما اتعافي علي كل مخاوفي، يمكن ماعنديش بديل، لو قررت استسلم يبقي مش هاعمل اي حاجة في حياتي، والحياة هتجري وتخلص وانا مستخبية في جلدي..

انا مش عايزة استخبي، انا عايزة ادافع عن حقوقي وعن مساحتي وعن حياتي اللي بعيشها مرة واحدة.. بخاف وانا ماشية في الشارع ولابسة لبس بحبه وشكلي حلو عشان بابقي عارفة اني مش هاخلص من المعاكسات والتحرش والخرة وفي الاخر هاضطر اتخانق، بخاف وانا بركب تاكسي انه هيستعبط ويبقي عايز يسرقني وبردو هاضطر اتخانق، والمشكلة اني في اوقات بابقي مش قادرة اتخانق، بخاف من قلة الفلوس وبخاف من قلة الشغل، بخاف ماعرفش ادفع ايجار بيتي واضطر اسيبه، وبخاف من الراجل بتاع الكهربا ليجيبلي الوصل بفلوس كتير ماقدرش ادفعها، بخاف من الناس الرذلة المتطفلة اللي فاكرة نفسها وصية علي اي حد، بخاف لما اسمع صوت الاسانسير او دوشة قدام الباب او حد بيخبط، معرفش ممكن يبقي حرامي ولا امن دولة ولا بلا أزرق..

بخاف وانا بعمل شغلي وبخاف لما يتنشر لو ماعجبش حد من البهوات فيحبسني، بخاف وانا بكتب علي فيسبوك في السياسة او في الدين، بخاف وانا بشارك في حملات سياسية وبخاف وانا مشاركة في مظاهرة، بخاف لو سمعت عن ناس اعتقلت او ناس ماتت في تفجير ليكون حد اعرفه فيهم، بخاف لو قعدت شوية ماسمعش حاجة عن حد بحبه ليكون اتخطف واتعذب او هاجر او اتجنن، بخاف انا اتخطف او اعتقل او اتعذب، ده كله غير مخاوفي الوجودية اللي تخصني  من الموت ومن الوحدة ومن الخسارة والفقد ومن احساس الغربة وخوفي من اني ابقي شخص وحش في وقت من الاوقات..

بيجيلي صداع كتير ووجع في ضهري من كتر التفكير وخصوصا لما بشوف قطمة الضهر دي متجسدة قدامي في انترفيو عن مختفين قسريا ولا معتقلين ولا قتلي.. بيجيلي اوقات هاجس اني ابعد عن كل مصادر الخوف، او استسلمله وخلاص واستخبي في الاوضة واقفل علي نفسي وماعملش حاجة خالص وماشوفش حد ومافتحش لحد، المشكلة اني مابقدرش، مش عايزة احس اني جبانة، مع اني بقيت دلوقتي بفهم جدا الناس اللي بتخاف وخوفها بيحركها، بس انا مش هاقدر ابقي سبع البرمبة واكسر الخوف او اتجاهله طول الوقت، انا عايزة ابطل اخاف علي الاقل في التفاصيل اليومية العادية، عايزة الصداع ووجع الضهر واحساسي اني مكتوم علي نفسي اللي باخده بصعوبة يروح! بس كده مش عايزة حاجة تانية فعلا!

السبت، 3 أكتوبر 2015

شوية كلام ملخبط عن نفسي

انا الحقيقة مش عارفة الكلام ده هيخلص فين. في دماغي كلام بيجري ورا بعضه حرفيا ومش عارفة امسكه!

افكار كتير عكس بعضها! يمكن لما اكتبها اهدي!

انا مش هادية، انا متعصبة جدا وفي الاغلب متعصبة من نفسي قبل ما اكون متعصبة من اي حاجة تانية! انا اول شخص بلومه علي اي حاجة مش الدنيا والحظ او الناس!

وانا صغيرة حياتي مكانتش سهلة ابدا ومكانتش طبيعية ولا مستقرة، كنت بسال نفسي كتير هو انا ليه حياتي مش زي باقي الناس! وطبعا عمري ما عرفت بس اتعلمت ابطل اسأل، واتعلمت بالطريقة الصعبة اني اواجه كل اللي مش طبيعي ومش عادي والمؤلم وماسملحهوش يكسرني، يمكن من هنا بقيت شخص عنيد. اكيد اتكسرت كسرات صعبة علي في سن صغير! بس كنت دايما بقول مش مشكلة، كله هيعدي وبكره هيكون احسن، وهييجي الوقت اللي هاقدر انفصل عن الواقع الملعبك ده واعمل حياتي بالشكل اللي انا عايزاه. وحصل، وعديت الحاجات، ورحت مشاوير طويلة جدا مع حالي عشان ماكونش شخص ابن وسخة بيطلع عقده علي البشر! بس مابقيتش بقدر اتسامح قوي! ولا حتي مع نفسي، رغم انها اكتر حد محتاج مني تسامح لو عملت حاجة غلط!!

ولاني شفت الاسوأ فكنت بفكر نفسي بيه عشان مازعلش قوي علي السئ اللي جه بعد كده، يمكن دي كانت الحاجة الايجابية الوحيدة اني اضحك واقول ياما دقت عالراس طبول، ولاني كنت مستنية من وانا صغيرة اكبر وابقي قد اني اعيش حياتي بالشكل اللي يريحني، حاولت اعيش حياتي بالطول وبالعرض ولازلت بحاول، ولاني حقيقي نفسي اكتشف واغامر واروح واجي والف العالم واشوف ناس كتير واصاحب واتخانق واحب واتحب واكره واتكره دخلت في كل الحاجات بقلبي، وكان قلبي بيتكسر. المشكلة انه في اوقات كتير كنت انا اللي بكسره عشان ماحتاجش لحد او لحاجة، عشان ماتورطش! عشان للاسف عرفت وانا صغيرة اني معنديش سند، وانه سندي هو نفسي وبالتالي مش لازم اسمح لنفسي انها تركن علي حد! او علي حاجة! 

بس دايما عندي خناقة ولخبطة وتوهة ليها علاقة باني بالفطرة بسيب نفسي لكل الحاجات، وباروح المشاوير للاخر، بس كمان بخاف، بخاف علي نفسي ومنها، بخاف من الشر اللي بيعدي علي راسي يطلع لاني جربت الاذي ومبحبوش لا ليا ولا لغيري، وبخاف انا كمان اروح في مرة معرفش ارجع! لما اتحبست في بيتنا مرة وانا صغيرة هربت، ومن ساعتها بخاف اتحبس ماعرفش اهرب، بخاف اتحبس في اي حد او اي حاجة، رغم اني يمكن اكون محتاجة اتورط للدرجة اللي شبه الحبسة، عشان احس بالامان اللي وقع مني في السكة.. بس برجع بخاف! وانا لما بخاف بكون عنيفة وباخد ردود فعل عنيفة!

وانا في الحقيقة بخاف من فتونتي ومن عنفي، وبخاف من ضعفي اكتر، بخاف اني احتاج حاجة او حد! بخاف من الوحدة وبخاف من الصحبة! بخاف من القرب وبخاف من الفقد جدا! وبخاف خوفي يعطلني! بخاف العمر يجري وفي حاجات لسة ماعملتهاش وماكتشفتهاش! بخاف من نفسي ومن قسوتي احيانا! بخاف من القرار وعكسه! بخاف اتغر، بخاف مابقاش قد المسئولية، بخاف تصوراتي عن نفسي ماتبقاش حقيقية، بخاف اكون ببيالغ اصلا في اللي انا شايفاه عن نفسي وعن اللي بعمله في حياتي! بخاف اكون شريرة زيادة وبخاف اكون طيبة زيادة! بخاف انسي الاذي وبخاف افتكره، وبخاف اواجة نفسي بحقيقة اني بخاف! وان الخوف عادي! وبخاف اكابر رغم اني بكابر طول الوقت! بخاف من احساس الذنب اللي ممكن احس بيه بسهولة!

بقالي فترة من حياتي متلخبطة، المفروض اخد قرارات مهمة ومش قادرة اخدها! حرفيا مش قادرة اخدها! بغلوش طبعا فشخ لان للاسف هي دي طريقتي في الهروب من النكد المصاحب للتفكير العميق لاني مابحبش النكد وخدت كفايتي منه خلاص! بدور علي حاجة انا مش عارفة هي ايه!

انا عارفة انه في يوم ما من الايام او الشهور او السنين كله هيبقي كويس! يمكن بكرة الصبح لما انام واصحي، ويمكن بعد ساعتين، او لما اعرف انا عايزة ايه وابقي قادرة اشوفني بوضوح هابقي كويسة وهاخلص الشغل اللي ورايا وهارجع احس بجدوي وجودي واللي انا بعمله في الحياة! بس دلوقتي انا مش عارفة!!


الأحد، 28 ديسمبر 2014

عن هزيمتي الشخصية في الثورة

نعم إنها هزيمة شخصية.. لم يكن الأمر بالنسبة لنا نحن مجموعة الحالمين لعبة سياسية، لقد ظلت أرواحنا هناك وسط هدير الغاضبين الذين احتلوا الشوارع والميادين، وبقيت عقولنا معلقة بتلك اللحظة، لحظة النشوة بقرب تحقيق الإنتصار. لقد فتحنا قلوبنا وعقولنا تماما للحلم، وحين انكسر الحلم، انكسرنا معه، تفتتنا إلى أشلاء، وبقينا تائهين غير قادرين على التحرك قدما أو العودة إلى ما قبل ذلك المشهد المقدس. نعم نحن عالقين هناك، في رائحة البطاطا والغاز المسيل للدموع وعرق المتجمهرين، وفي الهتافات التي رجت أركان النظام، وفي الطرقات التي شربت دماء المغدور بهم، عالقين في الحلم والأمل اللذان تحطما في لعبة السياسة والمصالح.

خسرنا الكثير والكثير، خسرنا أرواحا، وخسرنا عيونا، وخسرنا عقولا، وخسرنا عمرا، خسرنا حياتنا السابقة بلا عودة. كيف نمضي قدما نحن المحظوظين قليلا الذين لم ينتهي بهم الحال في قبر أو في سجن أو هائمين في الطرقات؟ كيف نمضي قدما بذلك الشعور الثقيل بالعجز والذنب والألم؟ نعم نحِن إلى حياتنا السابقة، لكن دون قدرة على العودة إليها، فما أدراك وما كسرة الأمل! ربما لا علاقة لك بكسرة الأمل تلك، ولكنك بالتأكيد لست بريئا من كسرات الأمل الأخرى!

كيف تلومني على الذهاب كلما استطعت لانتظار قرار المحكمة في حق الثورة؟ ألدي اي خيارات أخرى؟ أنا الحرة الطليقة التي تمتلك رفاهية الحزن أو اليأس أو حتى الكتابة، ماذا عمن يدفعون الثمن للنهاية؟ رفاق وزملاء وأصدقاء ليس لديهم سوى الإنتظار في زنازين مظلمة لشهور وربما لأعوام، يذوقون فيها مرارة الهزيمة ومرارة الحرمان من الحرية في كل لحظة. ماذا فعلنا نحن وماذا فعلوا هم لنصل إلى تلك اللحظة البائسة؟ أتذكر وجه يارا ووجه نوبي ووجه محمود واتسائل عن الذنب الذي اقترفوه، لم يفعلوا شيئا أكثر مما فعلنا، لكنهم وحدهم يدفعون الثمن! كيف يمكنني تجاهل كل ذلك كأنه لم يكن!

لم ولن أنسحب من حياتي للتعلق بآمال زائفة، ولكني تعلمت صغيرة أن من يبدأ شيئا عليه أن ينهيه، ومن يفعل شيئا يتحمل عواقبه، وأنت تعلم جيدا انني لست هذا الشخص الذي يتهرب من مسئولياته. سأتحمل عواقب الهزيمة للنهاية، مثلما ساتحمل عواقب قراري بالبعد عنك للنهاية. وربما كانت لحظة الإنتصار والأمل هي التي اعادتني إليك يوما، ولكن ما دفعني بعيدا لم يكن هزيمتي في الثورة والتي سأتكفل بها، بل كانت هزيمتي في علاقة تباعدت بيننا فيها كل الطرق!


اليوم صدر حكم الإستئناف على يارا وسناء وغيرهم بعامين حبس، لأنهم طالبوا بنفس مطلبي ومطلب الثورة في الإفراج عن المعتقلين، فكانت النتيجة أن انضموا لهم. لم أشارك في تلك المسيرة ولكني شاركت في غيرها من التظاهرات والفاعليات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وكان من الممكن أن اكون أنا او غيري محلهم أو معهم في السجون! فلما إذا يدفعون الثمن وحدهم؟ وهل نبخل عليهم حتى بالزيارة أو بالحزن؟ عامين كاملين.. اكثر من سبعمائة يوم بلا حرية وبلا حياة وبلا دفء الأقرباء، أتعلم ما هو قدر قسوة وبرودة السجون؟ بالتأكيد لا تعلم، ولا اعلم أنا أيضا. ولكن ما أعلمه جيدا أن تلك القسوة توجعني بشكل شخصي، وأن بكائي وغضبي على الثورة شخصي، وأن هزيمتي الآن، حتى وإن لم أقبل بها، شخصية، لأنني آمنت بالثورة طوق نجاة لي وللإنسانية من تلك الحياة البائسة.

الجمعة، 26 ديسمبر 2014

النجمة الراقصة

في الواحدة بعد منتصف الليل بعد عشاء لطيف عند أصدقاء قدامى، عائدة إلى منزلي الجديد في سيارة صديق.. الطريق يبدو قصيرا للغاية رغم طول المسافة، صديقي غارق في التفكير، وأنا أيضا غرقت ولكني غرقت في الطريق الخالي إلا من بعض سيارات متناثرة، شعرت ببرد قاسي ربما ضاعفته تلك الألحان الحزينة لأغنية لتوم ويتس لم أسمعها من قبل.. شعرت للحظة أن هذا الطريق الطويل يبدو وحيدا للغاية، أشفقت عليه من كثرة الإطارات المتلاهثة فوقه أو قلتها في الوقت ذاته. شعرت بوحدتي الاختيارية أنا أيضا.  أتسائل إن كان ما فعلته صائبا أم لا، هل كان لدي الإختيار حقا!

تذكرت تلك النجمة الساطعة التي رأيتها اليوم مبكرا من شرفة الأصدقاء، وبدت لي كأنها فتاة ترقص في السماء ويحيط بها المشجعون، حاولت تخمين المسافة بيني وبين تلك النجمة ولكني فشلت بالطبع، كل ما استطعت فهمه أنه بقياس طول تلك المسافة مضروبا في قطر كوكب الأرض وربما المجرة كلها يمكننا قياس اتساع الدنيا. مئات الآلاف من النجوم والكواكب والنيازك والشهب، ومليارات الأميال من الطرق والجبال والبحار والصحاري، ومليارات من الكائنات الحية من بينهم البشر التائهين بين حدود وعوائق سياسية وإقتصادية وطبيعية ونفسية، بالإضافة إلى مليارات الكيلو جرامات من الفراغ الجوي، ومثلهم من الهواء بما يحمله من حياة ومن مليارات الأمتار من طاقات لكائنات حية وحتى جامدة، سابقة وحاضرة ولاحقة، وطاقات للحب والخيانة والكراهية والألم،  للخير والشر والميوعة، للإبداع والاكتشاف والحظ السعيد أو التعس. كيف إذا أشكو من ضيق الدنيا!

أفقت من غرقتي على سيارة لشخص مستهتر تصطدم بنا من ناحيتي، رأيت الموت يقترب مع اقتراب السيارة للباب المجاور لي، ولم أشعر بشئ.. لا يمكنني التيقن إن كنت شعرت بخوف في تلك اللحظة! لم أشعر بخوف من يقترب منه الموت مثلما نسمع من روايات من عادوا من تجارب مماثلة، ها أنا ذا عدت أيضا. أعتقد أن الإنسان لا يشعر بالخوف من الموت في حالتين، إما أن يكون شاعر بسعادة بالغة وتحقق كبير في الحياة بحيث لم يعد يرغب أو يتمنى المزيد، أو أنه يائس تماما للدرجة التي لم يعد يرغب فيها في أي شئ، رغم ما يبدو من إنطباق الحالة الثانية علي، إلا أنني لست بهذا القدر من اليأس بعد، ولكن هذا ليس أمرا هاما،  فالأهم أنني ألحت علي الفكرة التي تسيطر على عقلي كثيرا مؤخرا، وهي كيف أن العمر قصير جدا وقد ينتهي في أقل من لمحة عين!

كيف تفتح تلك الجملة القصيرة التي لا يزيد عدد كلماتها عن عشرة كلمات كل هذا القدر من التساؤلات العبثية والوجودية الآن في الثانية والنصف بعد منتصف الليل؟ لا لن استجيب لهذه التساؤلات المتزاحمة في رأسي.. ليس الآن.. فأنا الآن أفكر في الخسارة، ولكن ألا ترتبط الخسارة أيضا بالعمر القصير؟ بعض الخسارات رغم ما تحمله من ألم لا مفر منها، ولقد كانت خسارتي كبيرة في الأيام الماضية، وعلى مستويات عدة، ولم يحمني إتخاذي للقرار، مثلما تصورت، من هذا القدر الكبير من الألم.. ولكن لا وقت للألم في هذا العمر القصير، المشكلة أنه لا وقت لأي شئ سوى الألم، مهما حاولت جاهدة نسيانه، يحاصرني مجددا.

كم يشعرني نزع الأشخاص عني بالبرودة! ولقد قررت نزع أشخاص كانوا قريبين قرب الجلد من اللحم، أعلم أنني ابدو قاسية في كثير من الأحيان، ولكنني أقسو على نفسي ألف مرة قبل أن اقسو على أحد.. أحيانا أشعر أنه لا أحد يفهمني، ربما أعطي الإشارات الخاطئة، وربما أتصرف بجنون، وربما أتوقع الكثير من القريبين، أو بالأحرى أتوقع ما كنت سأفعله أنا لو كنت محلهم.. لست مثالية كما يقول عني البعض، فربما توقع بعض الأمور هو مجرد غباء، وربما التمسك ببعض المبادئ الإنسانية هو مجرد حماقة..

أكتب كثيرا هذه الأيام، أكتب لأشخاص عابرين وأشخاص قريبين وأشخاص مجهولين، أعطيهم دورا في بعض الأحيان لا يرغبون في أداءه أو لا يستحقونه، وقد ادفعهم بقوة خارج حياتي بقدر رغبتي في ابقائهم وبقدر خوفي من التعلق مجددا. ولكن ماذا إن دفعت الجميع خارج حياتي وبقيت وحيدة؟


تعود الآن النجمة الراقصة إلى مخيلتي، الرفيقة المثالية. لن تتوقع مني شئ ولن أتوقع منها شيئا أنا الأخرى، ستسمع شكواي المتكررة ونواحي كل مساء، وستحاول ان ترسل لي بعض البهجة، ستغوص في سماءات بعيدة حين تمل مني، وسأغلق انا النافذة ببساطة حين أمل منها، لنعود ونلتقي مجددا ربما في خلال سنوات، لنحسب سويا مدى اتساع الدنيا أو ضيقها في ذلك الحين..

الأحد، 7 ديسمبر 2014

فضفضة

قاعدة على الشلتة الملونة قدامي طرابيزة صغيرة عليها لاب توب ومزيكا كئيبة متناسبة مع المرحلة، بفكر وبفتكر وبسأل نفسي ايه الصح اللي عملته وايه الغلط! طب ايه الصح اللي المفروض اعمله وايه الغلط اللي مش المفروض يتعمل!

الحقيقة مش عارفة اقرر في اي حاجة ومش عارفة اقيم اي حاجة وده خاضضني فشخ!! حاجات كتير متلخبطة اكتر من قدرتي دلوقتي على فكها وحلها! وحاجات مش قادرة استوعبها!

ولأني مش قادرة اتعامل مع التوتر واللخبطة، ولأني عارفة اني في وقت مش بدرك حجم الحاجات زي ما هو بالظبط يمكن اقل ويمكن اكتر، فباخد احيانا خطوات ورا عشان احاول افهم ايه اللي بيحصل وانا فين منه!

مش قادرة خالص ان الناس تحملني حاجات مش بتاعتي، او حتى بتاعتي بس مش مقصودة، او ان الناس تبقى بتعملي توتر او ضغط باي شكل من الاشكال..

عارفة اني ببان شخص قوي ومتماسك ومن اللي بيواجهوا الحاجات بابتسامة وصدر رحب دول، وطبعا جزء من ده حقيقي، بس مش دايما بقدر اكون الشخص ده، ساعات بابقى بس محتاجة اقع وانهار، لكن انا حتى مش قادرة انهار دلوقتي.

بحكي وبقول وبفضفض للناس القريبة عشان الدنيا تفك وعشان يمكن الناس تبقى شايفة حاجات انا مش شايفاها، بس الموضوع اكبر من الحكي والفضفضة.. بتعصب وبتجنن وبهيبر وبكتئب وبأفور وبغلوش وبلعب كل الالعاب.

عارفة ان دي مرحلة وهتعدي، اتمنى تعدي قريب وبأقل خساير ممكنة

السبت، 22 نوفمبر 2014

بداية جديدة

انا خدت قرار كبير في حياتي على اعتاب ال29 ، قرار كان مؤجل، عوامل كتير وعلامات انا شاكرالها شجعتني اني مأجلش القرار أكتر من كده..

مش واعية قوي لسه للمرحلة الجديدة اللي هتبتدي في حياتي، برغم انه في خطوات باخدها بشكل ميكانيكي، بس كعادتي مع كل القرارات او المواقف الكبيرة بغلوش فشخ وقتها وبفهم بعدين انا واقفة فين بالظبط..

في قلق وخوف من مستقبل ومن مجهول ومن خناقات ومواجهات هاضطرلها، بس في كمان احساس فشيخ بالحرية، برغم ان عمر حريتي ما كانت مهددة، بس في ثقة اكبر في نفسي وقدراتي، عندي طاقة غريبة ورغبة غريبة في الانجاز،  والتنطيط، ومقابلة ناس جديدة ومرواح اماكن جديدة.

وعارفة ان الحياة عمرها ما بتقف، وانها بتبقى مليانة بالمفاجآت الحلو منها والوحش، في ماضي منيح بس مضى، ومكانش ينفع يفضل اكتر من كده، وفي مرحلة جاية هاقع وهاقوم فيها كتير لحد ما أقف على رجلي، بس الأكيد اني أبدا أبدا مش هافضل في منطقة مش مريحاني، ومش هابذل طاقة وادي فرص في حاجات انا شايفة اخرها كويس، هاعدي بوجع اكيد وبلخبطة ويمكن بوحدة، هاكتشف شوية ناس قريبة وهافرزهم، وهاكتشف ناس جديدة يطلعوا حلوين او وحشين، بس الاكيد انها هتروق وتحلى، وهارجع احب نفسي تاني، وماضطرش اعمل حاجات مش حابة اعملها، وماضطرش ابقى بشكل انا مش عايزة ابقى عليه.

شكرا للعلامات اللي اترمت من قرطاس على دماغي من السما